محمد بن وليد الطرطوشي
490
سراج الملوك
لتصبيه « 1 » ، فيزهد في العجوز ، وإذا بات عند العجوز ، تلتقط الشعر الأسود من لحيته لتشيخه « 1 » ، فتزهد الصبيّة فيه ، فيوشك إن دام هذا به أن يصبح أطلس « 2 » . كذلك حالكم معي ومع العرب ، إذا أديتم المال لي ولهم ، يوشك أن تنفذ أموالكم ، فتبقوا فقراء ضعفاء ، فأتسلمكم وأتسلم البلاد . ويروى أنه لما همّ بحصار صقلية ، أمر أن يبسط بساط في الأرض ، ثم جعل في وسطه دينارا ، ثم قال لوجوه رجاله : من أخذ منكم هذا الدينار ولم يطأ البساط ، علمنا أنه يصلح للملك ، فوقفوا حوله ولم يصل أحد إليه ، فلما أعياهم ذلك ، طوى ناحية من البساط من عنده ، وأمر كل واحد أن يطوي مما يليه ، حتى طوى البساط ، فمدوا أيديهم فلحقوا الدينار ، فحينئذ قال لهم : إذا رأيتم مدينة صقلية خذوا ما حولها من الحصون والمدن الصغار ، والضياع والقرى ، حتى إذا ضعفت أخذتموها . وكان بسرقسطة فارس يقال له [ ابن فتحون ] وكان يناسبنى « 3 » - فيقع خال والدتي - وكان أشجع العرب والعجم ، وكان المستعين أبو المقتدر « 4 » ، يرى له ذلك ويعظّمه ، وكان يجرى عليه « 5 » في كل عطية خمسمائة دينار ، وكانت النصرانيّة بأسرها قد عرفت مكانه ، وهابت لقاءه ، فيحكى أن الرومي إذا سقى فرسه فلم يشرب ، يقول له اشرب ، هل ابن فتحون رأيت في الماء ؟ فحسده نظراؤه على كثرة العطاء ، ومنزلته من السلطان ، فأوغروا به « 6 » صدر المستعين ، فمنعه أياما . ثم إن المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الروم ، فتواقفت المسلمون والمشركون صفوفا ، ثم برز علج إلى وسط الميدان ينادى : هل من مبارز ؟ فخرج إليه فارس من المسلمين ، فتجاولا ساعة فقتله الرومي ، وصاح الكفار سرورا ، وانكسرت نفوس المسلمين ، وجعل الرومي يكرّ بين الصفين ، وينادى هل من اثنين لواحد ؟ فخرج إليه فارس من المسلمين ، فقتله
--> ( 1 ) تصبيه : عكس تشيخه أي توهمه أنه ما زال صبيا . وتشيخه ( تجعله يبدو شيخا هرما ) . ( 2 ) الأطلس : الذئب الأمعط في لونه غبرة إلى السواد ( الذي تساقط شعره ) . ( 3 ) أي قريب للشيخ الطرطوشى في النّسب . ( 4 ) هو المستعين بالله سليمان بن هود أبو المقتدر ، سبقت ترجمته . ( 5 ) يجري عليه : يعطيه عطاء دائما . ( 6 ) أوغروا صدره : ملئوه غيظا .